ابن كثير
281
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يضل به من يشاء ، ويهدي من يشاء . ولهذا قال هاهنا وكذلك نصرف الآيات وليقولوا دارست ولنبينه لقوم يعلمون وقرأ بعضهم وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ . قال التميمي عن ابن عباس : درست أي قرئت وتعلمت ، وكذا قال مجاهد ، والسدي ، والضحاك ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغير واحد ، وقال عبد الرزاق : عن معمر ، قال الحسن وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ يقول تقادمت وانمحت ، وقال عبد الرزاق أيضا : أنبأنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمعت ابن الزبير يقول : إن صبيانا يقرءون ها هنا دارست ، وإنما هي درست « 1 » ، وقال شعبة : حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال : هي في قراءة ابن مسعود درست ، يعني بغير ألف ، بنصب السين ووقف على التاء ، قال ابن جرير : ومعناه انمحت وتقادمت ، أي إن هذا الذي تتلوه علينا ، قد مر بنا قديما وتطاولت مدته ، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، أنه قرأها درست ، أي قرئت وتعلمت ، وقال معمر عن قتادة : درست قرئت ، وفي حرف ابن مسعود : درس ، وقال عبيد « 2 » القاسم بن سلام : حدثنا حجاج ، عن هارون ، قال : هي في حرف أبي بن كعب ، وابن مسعود وليقولوا درس ، قال يعنون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قرأ ، وهذا غريب ، فقد روي عن أبي بن كعب خلاف هذا : قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا الحسن بن ليث ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي ، حدثنا وهب بن زمعة ، عن أبيه ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، قال : أقرأني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ورواه الحاكم في مستدركه من حديث وهب بن زمعة ، وقال : يعني بجزم السين ونصب التاء ، ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 106 إلى 107 ] اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) يقول تعالى آمرا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولمن اتبع طريقته اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ اي اقتد به واقتف أثره ، واعمل به ، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق ، الذي لا مرية فيه ، لأنه لا إله إلا هو وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي اعف عنهم واصفح واحتمل أذاهم ، حتى يفتح اللّه لك ، وينصرك ويظفرك عليهم ، واعلم أن للّه حكمة في إضلالهم ، فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعا ، ولو شاء لجمعهم على الهدى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا أي بل له المشيئة والحكمة ، فيما يشاؤه ويختاره ، لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون ، وقوله تعالى : وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً أي حافظا ، تحفظ أقوالهم وأعمالهم وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي موكل على أرزاقهم وأمورهم إن عليك إلا البلاغ كما قال تعالى : فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ
--> ( 1 ) الأثر في الطبري 5 / 302 . ( 2 ) في الطبري : « أبو عبيدة » .